عبد الكريم الخطيب

1062

التفسير القرآنى للقرآن

والتمنّى في اللغة معروف ، وهو طلب النّفس لرغيبة من الرغائب المحبوبة ، البعيدة عن أن تنال ، بعدا يكاد يبلغ حدّ الاستحالة . وقد فرّق علماء النحو والبلاغة بين الترجّى ، والتّمنّي ، كما فرّقوا بين حرفى الطلب : ليت ، ولعلّ . . فقالوا : إن « ليت » للتمنّى ، وهو طلب محبوب لا يدرك ، و « لعلّ » للترجّى ، وهو طلب مرغوب يمكن إدراكه والحصول عليه ، وإن كان بعيدا . وفي القرآن الكريم ، جاء لفظ التمني بهذا المعنى ، الذي هو طلب الشيء البعيد . . كما في قوله تعالى : « فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » ( 94 - 95 : البقرة ) . والخطاب هنا لبنى إسرائيل ، وهم مطالبون في هذا الخطاب أن يتمنّوا شيئا لا يمكن أن يقع منهم ، وهو تمنّى الموت . . ولهذا جاء قوله تعالى : « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً » كاشفا عن هذا . . ولهذا أيضا جاء قوله تعالى بعد ذلك : « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ » - جاء مؤكدا لعدم وقوع هذا الأمر منهم ، إذ أن الحريص على الشيء لا يتمنى إفلاته من يده ، فكيف إذا كان أشدّ الناس حرصا عليه ؟ وجاء في القرآن الكريم أيضا قوله تعالى : « أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ؟ » ( 24 : النجم ) وهو ينكر على الإنسان أن يقع له ما يتمناه ، ويجرى على هواه وهواجسه . . وجاء في القرآن الكريم كذلك في قوله تعالى : « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » ( 78 : البقرة ) والأمانىّ جمع أمنيّة . . وعلم الأميين من أهل الكتاب ، بالكتاب ، هو علم بعيد عن الحقّ ، بعد الأمنية عمن يتمنّاها .